أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / بنعمة الأرض /محمد ولد أحمادن

بنعمة الأرض /محمد ولد أحمادن

كتب الكاتب و المدون محمد أحمادن لباسكنو إنفو 

فصاله!

هي مدينة ولدت من رحم المعاناة، هي مدينة كانت تحتفظ بخطى العابرين وأصواتهم في قلبها منذ عقود من الزمن ولا زالت تبتسم لهم كل ما عاودوا المجيء إليها رغم الجراح التي تعرضت لها على طول مشوارها التنموي البطيء، هذه المدينة ناتجة عن انصهار مزيج من الثقافات والأعراق والشرائح في بوتقة جغرافية وتاريخية واحدة لتشكل ما يشبه محط القوافل التجارية القديمة حيث كانت الشعوب تتبادل الأحاديث والتجارة والآراء، ففي المدينة خليط عجيب من الثقافات ينم عن الدور البارز الذي تمثله هذه النقطة من الوطن، حيث تتشبع المدينة بالثقافة الصحراوية رغما عن أنف التضاريس السهلية وغابات الطلح، كما تتشبع بثقافة قبائل الضفة رغم عن أنف المناخ الجاف والرطوبة شبه المنعدمة، كما أصبحت تمثل نقطة هامة وموقعا إستراتيجيا للتبادل التجاري بين بلادنا والجارة مالي، حيث تتعانق فيه الأبقار القادمة من بُوَّارْ و ماسِينا (بلاد قبائل الفُلاّن في مالي) جنوب المدينة مع الجمال والأغنام القادمة من بلديتي (المگفه) و (اظهر) شمال المدينة، حيث تتعانق تجارتي السكر والبسكويت القادمتين من (انواكشوط) مع تجارتي الخضروات والدخن القادمتين من (انْيُونُو و دَقِفْري)، حيث تتعانق تجارة الأرز القادمة من (روصو) مع تجارة الألبان المجففة القادمة من (تمبكتو).

أدى تداخل الثقافات هذا إلى جعل فصاله مدينة تتكلم جميع اللغات كالصدى لا أعني بجميع اللغات هنا اللغات المنطوقة باللسان أو تلك المسموعة بالأذن وإنما أعني بها لغات العالم الخفي كلغة العيون ولغة الجسد ولغة القلوب التي كانت المدينة تتجاذب أطراف الحديث مع سكانها بها عبر رسائل مشفرة كغروب حزين للشمس مثلا أو رياح موسمية في غير وقتها أو شحوب أشجارها أو غياب النجوم من سمائها في ليلة مظلمة، نعم إنها لغة في غاية الصعوبة لكن ما إن تالف مكانا ما حتى تفهم لغته الخاصة كما تفهم الأم أن رضيعها أصابته حمى مثلا من دون أن يتفوه بكلمة واحدة، كما ترحب بالعابرين بلغة خاصة أيضا كأن تسمعهم مثلا أصوات الأبقار والأغنام بالليل لتخبرهم بأنها مدينة رعوية، أو أن تسمعهم تلاوة القرآن بعد أذان الفجر لتخبرهم بأنها مدينة دينية أو أن تريهم نهارا الشاحنات التي تعبرها ذهابا وإيابا لتخبرهم بأنها مدينة تجارية.
إن مما أكسبها هذا التنوع الثقافي الفريد هو موقعها وموضعا الجغرافيين المتميزين حيث تشتم ثقافة القبائل الأزوادية من عرب وطوارق عندما تتجه نحو الشرق أو الجنوب الشرقي وتشتم رائحة الثقافة الفلانية (ماسينا_بُوّارْ) عندما تتجه نحو الجنوب بينما تشتم رائحة الثقافة البمبارية عندما تدير وجهك نحو الجنوب الغربي.
أما داخليا فتحيط بالمدينة قرى عديدة فمن جهة الشمال تقع قرية (المَخْلْ) على بعد ثلاثة كيلومترات تقريبا أما من جهة الشرق فتقع قرية (أهل اسرابَه) على نفس البعد تقريبا و من الجنوب تقع على بعد كلومترين ونصف قرية (ادوينكاره) حيث المعبر الحدودي وحيث لعبت ذات يوم تحت ظلال أشجارها الجميلة عندما كنت صغيرا، و من الجنوب الغربي تقع قريتي (مَدَٓللَّ) حيث ولدت ذات ليلة صيفية من ليالي مايو على بعد 10 كيلومترات تقريبا و (المبروك) 13 كيلو متر تقريبا، و من الغرب تقع قرية (كنجرله) على بعد 12 كيلو متر تقريبا ومن الشمال الغربي تقع قرية (اكليفه) 12 كيلو متر تقريبا وقرية (نيره) التي دائما ما ارتبط اسمها بفصاله لأنها هي من أنجبتها كما أنجبت ولاته مدينة النعمه على بعد 7 كيلومترات تقريبا.
لا أؤمن بنظرية (بَنْعَمةِ الأرض) لذالك ألِفت هذه المدينة جدا حتى تمكنت من فهم تفاصيلها ذات البعد الخفي فعلاقة الإنسان بمكان ما لا تعتمد أبدا على الركائز الإيديولوجية وإنما عل الفهم والفهم فقط، أنا لم أولد في هذه المدينة وإنما هي من ولدت بداخلي، ورغم أن أكثر أجدادي مدفونا في ولاته والنعمه وبعضهم في مالي إلا أنني أتحسس خطاهم على ارض هذه المدينة عندما كانوا يعبرونها قادمين من ولاته إلى تمبكتو لنشر الدين والعلم في زمن الحج على ظهور الجمال.
الأماكن كما الأشخاص بحاجة إلى من يفهمها قبل أن يتعلق بها لتبوح له بكل أسرارها وهي ليست ملكا لأحد فقديما كانت الأرض لله وستبقى للأبد ولكن حديثا سمعناهم يقولون بأنها ملكا للدولة لذالك لم أفضل يوما ولاته التي كانت منهل الأجداد تفيض علومهم من جنباتها وقد ضمت لحودها أجسامهم بعد موتهم على فصاله التي ولدت بداخلي وفهمتني أكثر مما فهمتها.

تعليقات الفيس بوك

شاهد أيضاً

الدكتور/عبد المالك أن حني:ينعي الشيخ عبد الحق يدير.. (العالِم القدوة الفَعٌَال)

  العالِم القدوة الفَعٌَال قال الإمام داوود الظاهري: قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبتُ أنا …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: