أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / تشرين والصغار-محمد أحمادن

تشرين والصغار-محمد أحمادن

عندما كنا صغارا لم نكن نعرف شيئا عن تشرين ولا عن الهوى ولا عن نزار قباني ولا عن سدوم ولد أيده ولا عن جبل الشيخ، لم نكن نميز بين الوقت الأفضل للهوى والوقت الأسوء له بل لم نكن نميز بين الهوى وغيره من الحالات الشعورية واللاشعورية، كنا نستقبل الخريف بنصب الشراك للعصافير وسباق الحمير وتحصيل ثروات هائلة من الحيوانات والسيارات الطينية حيث يتنافس أغنياؤنا في ساحة العرض (الرگ) أو السوق الأسبوعية (التيشطايه)، وكنا نستقبل الصيف بماراثون (الجرَّايات) وبطولة تايكواندو العصابات وحروب الحجارة بين جيوش الأحياء المدربة من طرف القادة على حمل شتى أنواع الحجارة ومشتقاتها، ورياضة التدافع مع الحفاظ على الرجل اليمنى مرفوعة تمسكها اليد اليسرى بينما تدافع عن نفسك وعن فريقك باليد اليمنى وتعدو على اليسرى وهي اللعبة المعروفة محليا ب(ياره)، و نستقبل الشتاء بمراقبة ماعزنا الحوامل حتى يضعن حملهن وحضورنا لجل حالات الولادات وعلى عكس عادات اجدادنا في حسن استقبالهم للمولود الذكر أكثر من الأنثى كنا نفرح بالإناث أكثر لأنهن مصدر ثروة ولأن نسبهن لا ينقطع فكل أبناء الإناث سيكونون ملكا لمالكهن بينما يذهب الذكور لينجبوا أبناءً لا تعود ملكيتهم لمالك الآباء وإنما لمالك الأمهات وهكذا كنا نفضل إناث الماعز على الذكور.

أما استقبالنا لتشرين فيكون مختلفا تماما لأنه يتزامن مع انتهاء مأمورية الخريف و قبل بداية تنصيب الشتاء فتحدث فوضى وانفلات أمني في نظام الطقس فتهب رياح شمالية شرقية جافة في بداية تشرين يسميها البعض في المناطق الشرقية برياح(جِوارَه) ويقول البعض بأنها تمثل سلاحا من أسلحة الدمار الشامل بالنسبة للباعوض (الناموس) بحيث يهاجر باتجاه الجنوب فور هبوبها ومن تخلف منه عن الهجرة تبيده تلك الرياح الجافة عن بكرة أبيه.

أذكر -عندما كنت صغيرا- أن هذه الرياح وهذا الشهر بالذات (تشرين) كان يثير مشاعرا مبهومة لدي أقرب للحزن منها إلى الحنين وأي حزن وأي حنين هو؟ لا أدري فقط أتذكر أنني كنت أيامها لا أبعد إلا قليلا عن أمي وأعود إليها لأنني لا أشعر بالإطمئنان، عندما تهب هذه الرياح كنت أحس بفناء الأشياء الدنيوية وزوالها كنت أفكر في اشياء أكبر من عقلي الصغير وأتصور أشياء تفوق خيالي المحدود كنت أحس بوحشة كبيرة وأن هذا العالم خلا من كل شيء إلا مني كفسيلة صغيرة نبتت في وسط صحراء الربع الخالي، ولأنني كانت لدي فوبيا من كلمة آخر الزمان وعلامات الساعة ويأجوج ومأجوج والدجال كنت أعتقد أن هذه الرياح ما هي إلا المرحلة الأولى من القيامة، مضحكة أحيانا أفكار الصغار لكنها لا تخلوا إلا نادرا من العمق والحكمة.
أتذكر في يوم من الأيام -وكنت حينها ابن أربع أو خمس سنوات تقريبا- نظرت من النافذة فإذا بشيء أسود جاثم على الأرض كأنه ثور ضخم أرعبتني رؤيته وظننته القيامة تتحين الفرص للإنقضاض علينا وإنهاء عالمنا الدنيوي فأخذت بطانية وغطيت نفسي لئلا أرى أحداث الساعة وهي تمر أمام عيني.
وذات يوم من أيام تشرين جلست بجانب أمي وسألتها مستفسرا: لماذا يا أمي كل ما هبت هذه الرياح تمتزج لدي أحاسيس الحزن والحنين وربما الخوف؟ أجابتني حينها أنها سمعت من الكبار أن هذه الفترة هي التي توفي فيها سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام لذالك السبب كان شعور الحزن والحنين يخيمان في نفوس الجميع وربما كانت تعني بالجميع حينها الصغار.

مضت الكثير من السنوات لكن ما زال ذاك الشعور ينتابني كلما أقبل تشرين لا سيما أيامه الأولى، فتشريننا ليس كتشرين نزار قباني عندما قال:(جاء تشرين يا حبيبة عمري—- أفضل الوقت للهوى تشرين) لأن موعده على جبل الشيخ والثلج دافئ وحنون وموعدنا مع (أمياط إيريفي) والشمس حارقة.

وفي الختام أهدي شريط (أتراها تحبني ميسون ___ أم توهمت والنساء ظنون) للفنان الراحل سدوم ولد أيده وقصيدة ميسون للشاعر الكبير نزار قباني إلى إخواننا الفلسطينيين والعراقيين والسوريين ونتمنى أن تعود بلاد الشام جنة كما كانت من قبل وأن تسرتجع العراق ازدهارها وقوتها.

تعليقات الفيس بوك

شاهد أيضاً

الدكتور/عبد المالك أن حني:ينعي الشيخ عبد الحق يدير.. (العالِم القدوة الفَعٌَال)

  العالِم القدوة الفَعٌَال قال الإمام داوود الظاهري: قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبتُ أنا …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: